‏ قبل أن تتكسر مرايا الشام!

* د. فاضل الخطيب

 

تعيش العمة أم إبراهيم ذات العقد السادس‏ وحيدة منذ سنوات، أبناءها وأحفادها فرّقتهم الحياة ولقمة العيش ‏الكريمة. فقط في فترة العيد تجتمع العائلة.‏

يقع منزل أم إبراهيم على زاوية شارع المحبة (حبيب الأحبة الآن)، وفي الطرف الآخر يقع بيت العم أبو سعيد ‏والذي تجاوز الستين من عمره وتُطل نوافذ منزله على الجهة الجنوبية الشرقية.‏

نهار مشمس، إبريق "المتي" على النار، الساعة تقترب من التاسعة صباحاً‏.‏ يقف أبو سعيد ويمسك بيده مرآة ‏ويُوجهها لتعكس نور الشمس نحو شباك منزل أم إبراهيم وينتظر أن تأتي لزيارته، تأتي ومعها شوية زبيب وتين ‏مقدد أو شيء من المعجنات المُفضلة في أيام الشتاء والبرد، والتي كانت تصنعها بأيديها مثل "ملَّبَدي بدِبس" أو ‏أقراص "مرَشَّم" أو "زلابية"، وأحياناً تُحضر معها شيئاً مما تبقى من طبخة أمس ليعود أبو سعيد يأكل ذلك على ‏الغداء. كان ينتظرها يومياً ليس من أجل الذي تجلبه في "مَمْلوكها"، بل ليشربا المتي والقهوة ويأكلا معاً البرازق ‏والبسكويت التي اعتاد أبو سعيد وضعها مع "عدة المتي" بجانب ما تُحضره هي أيضاً، ويتحدثا عن الأخبار في ‏الحي أو أخبار الأبناء والبنات والأحفاد الذين يعيشون كل واحد "تحت نجمة" كما كانت تقول أم إبراهيم دائماً، ‏وأحياناً يكون لحديث السياسة أيضاً مكان بينهما. وكانت تتابع أم إبراهيم كل ما تسمعه عن أخبار قريتها التي وُلدت ‏وترعرعت فيها والتي لم تشاهدها منذ سقوطها تحت الاحتلال قبل خمس سنوات، وكانت تقول بحسرة دامعة مؤكدة ‏أن الاحتلال سقط على الضيعة وعلى باقي قرى الهضبة وليس صحيح أن الهضبة سقطت تحت الاحتلال..‏

في أيام المطر والغيوم –عدم ظهور الشمس وعدم إمكانية استعمال "جهاز تليفون المرآة" يضطر أبو سعيد ‏لاستخدام التكنولوجيا الحديثة بذكاءٍ و"احتيال" كي لا يدفع ثمن المكالمة التليفونية، يقوم في هذه الحالة برن ‏تليفون أم إبراهيم ثلاث رنات ثم يقفله، عندها تقوم العمة أم إبراهيم بالرد على ذلك برن تليفون أبو سعيد لمرة ‏واحدة وتضع السماعة، وهذا معناه أنها وصلتها الرسالة وكأنها تريد القول "يالله أني جايي لعندك"، وبهذا تعرف ‏أن المتي جاهزة ويجب عليها الانطلاق.. ‏

في الصيف أو الشتاء، في الربيع أو الخريف، في الأيام المشمسة أو الماطرة، في أوقات الغيوم أو الثلوج، تتكرر ‏هذه الطقوس اليومية بين أم إبراهيم  وأبو سعيد، هذه المتي وشُربها وملحقاتها صارت مراسم مقدسة ولا يوجد ‏أقدس منها سوى علاقة الصداقة الأخوية بينهما..‏

في أحد الصباحات المشمسة وكعادته أمسك أبو سعيد مرآته وبدأ يحركها لتعكس أشعة الشمس باتجاه شباك أم ‏إبراهيم، كررها مرات عديدة، لم يرد التليفون، لم يسمع رنته الوحيدة المنتظرة.. ‏

هرع أبو سعيد إلى بيت أم إبراهيم وبصعوبة استطاع الدخول ليجدها مستلقية على الأرض بجانب السرير، كانت قد ‏وقعت ولا تستطيع الحركة ولا الكلام، وربما كان مغمياً عليها، ركض للاتصال بالإسعاف. وصل الطبيب بسرعة. تمّ ‏إسعاف أم إبراهيم إلى المستشفى. اتصل أبو سعيد بأولادها ليخبرهم بما حصل..‏

عند وصول من استطاع من الأبناء "من تحت بضعة نجوم" كان الجيران - أو الشارع بأكمله قد قام بكل شيء يلزم ‏من أجل إنقاذ حياة أم إبراهيم..‏

بعد أسبوع وفي يوم خروجها من المستشفى كان أبو سعيد في زيارتها هناك، وقفت وشدّت على يده قائلة، حان ‏وقت العودة للبيت، اشتقت لشرب المتي، شدّ هو أيضاً على يدها وقال، التليفون "بَعدُهُ شغّال والمراية ما انكسرت، ‏بَعدها بتِشتِغِل كمان". بعد سنوات قليلة تغيّر اسم الشارع. وبعد سنوات أخرى سقط الموت على أم إبراهيم. وكان ‏يقول أبو سعيد أنها عادت للضيعة كما كانت تحلم بذلك. وبعد سنوات جديدة وبينما كانت "أم إبراهيم" تلعب مع ‏أطفال الضيعة في الهضبة، سمعت أن جارتهن أنجبت طفلاً، بينما كان تليفون أبو سعيد يرن، سقط في أرض الغرفة ‏وحيداً وإبريق "المتي" على النار...‏

‏........‏

هناك معنى وجدوى للتفكير، للشعور، للحياة، لأن العالم رائع، مثيرٌ وعظيم، وبغض النظر عن السقوط تبقى حياة ‏الإنسان – غير ساقطة إذا أراد - هي قمة في القيَم والمعاني والأهمية..‏

كتب - أو قال - بعض المُنجِمين أنه في يوم ما تسقط كل ما يملكه الإنسان من قيم في تلك العثرات الكونية، ولن يبقَ ‏شيء سوى أن نعيش ليومنا هذا، أو أن نعيش من يومٍ ليوم، نبحث عن المنفعة المادية أو النجاح المادي أو ‏التصفيق الصفيق وبعد ذلك تسقط النهاية علينا، أو نسقط نحن فيها.. أظن أن العالم الكبير هو عالم حيّ كما هو ‏عالمنا هذا، وكما أن كل خلية في جسمنا هي مفتاح مهم في مجموع وظائف الجسم ومن أجل عمل متوازن له، كذلك ‏الحال بالنسبة لحياتنا مقارنة بحياة العالَم الكبير العظيم "غير" المتناهي. كل شيء له معنى قيَمي، والذي أبدعه ‏الإنسان خلال وجوده، سيتابع ذلك ويضع عليه من جديد قيَماً جديدة وإبداعات جديدة تساهم في إغناء قيَم العالم ‏الكبير ومعناه.. من المفيد التفكير خارج الحدود التي اعتدنا. التفكير بشارع المحبة سابقاً و"حبيب الأحبة" حاضراً. ‏من المفيد توجيه مرايانا نحو الشمس، ربما نسمع رنة واحدة للتليفون. ربما نرجع نستخدم فعل الحاضر والمستقبل ‏ويعتذر شخصٌ آخر. ربما يصل قطار فيروز إلى المحطة. ربما نركب ونستمتع سوية بهدير "البوسطة"...   ‏

‏........‏

وقف الرجل مع زوجته هناك في محطة باصات الضاحية. أراهما في كل يوم وبنفس الوقت. قد يكون عمر كل واحد ‏منهما تجاوز العقد السادس. يضع الرجل "قَضَاضَة" بيضاء نظيفة على رأسه الحليق، وعنده شوارب خطّ فيها ‏البياض شيئاً والموروث جعلها متوسطة الاستطالة، مما تُوحي له بشيء من الوقار والرجولة على ملامحه. والمرأة ‏تقف بجانبه تحت غطاء رقيق أبيض أيضاً، أي "فوطة سميكة" تَلبّسَت  رأسها وتدلّت على كتفيها بوَقار، وقد ‏أبرَزَت ملامح وجهها غير المُغطّى. ‏

منذ فترة لا أراهما. واليوم هناك يقفان عند الموقف الثالث حيث ينطلق باص قرية الثُورا "الخَشَعة سابقاً"، يقفان ‏بالقرب من الباب الثاني للباص، كما اعتادا. شيء واحد تغيّر فقط، المرأة تمسك في يدها عَصاة - قضيب معدني ‏أبيض، وتضع نظارات سوداء غامقة، زادتها سواداً بجانب "الفوطة" البيضاء التي تغطي رأسها.‏

نظرتُ إلى الرجل، يمسك من كوع المرأة بلطفٍ وهدوءٍ محاولاً توجيهها، وبدون مهارة، لكن بانتباه كبير. يظهر ‏أنهما لم يعتادا السير هكذا في الشارع بعد.‏

نظر الرجل حوله وجال بنظره على الركاب، ربما أراد أن يعرف، إذا انتبه أحد لأي تغيير عليهما! وكان هذا هو ‏التعبير الوحيد الذي ظهر منه، لقد كان منهمكاً بشكل كامل بالمرأة زوجته، وكل اهتمامه أن يكون حاذقاً في ‏مساعدتها بالصعود إلى الباص وبأقل إزعاج لها أو لغيرها من الركاب.‏

الزوجة لا ترى شيئاً. ربما ترى بعض الملامح العامة.. كيف استقبلا الخبر وكيف انقضت الأيام الأولى. كيف الوضع ‏في المطبخ والحمّام وكيف تمضي الأمسيات.. عندما تقع مأساة لأحد زوجين اعتادا حياتهما كفرد واحد تكون مأساة ‏كبيرة بأن لا يرى أحدهما بعد ذلك نهائياً..‏

لم انتبه لساعة انطلاق الباص. انفتحت أبوابه. أرادت المرأة الإسراع، لكنها لم تجد المقبض المساعد بجانب ‏درج(سلّم) الصعود. حاول الرجل مساعدتها وهي متمسكة فيه. وأخيراً تقدم رجل آخر وأمسك بذراع المرأة ‏وساعدها بالصعود..‏

سيتعود الرجل وزوجته على هذه الحياة، قلت ذلك في نفسي. سيتشكل نظام جديد لعلاقتهما.. لكنني رأيت كم ذلك ‏صعبٌ. كم هو صعب كل شيء بدون مرآة وشمس وتليفون...‏

‏........‏

لماذا يخفي البعض رأسه في قبعة؟ خوفاً من تسرب أشعة الشمس؟. قد يكون الهروب من المرآة وما تكشفه من ‏أسرار، وإصرار الكبار على عدم الاعتذار هو سبب السقوط والذي مازال ينتج سقطات الصغار. ‏

سقطت قبعة الإخفاء المُمَمْنَعة على رأس "جهاخيل" الخالي من الرياء، الشاطر في تحويل السياسة إلى كيمياء، ‏حتى لو كان نفطاً حلالاً أو غزَلاً لمنظِفي (موَظفي) أموال الخلفاء، وشفط أتعاب "الحلفاء". جهاخيل يحمل في ‏جيوبه مطهرات (مطيرات) بيضاء، وعلى أذنيه تتعلق نظارة سوداء، تزيد الحياء حياء..‏

قبعة الإخفاء للأخلاق مرشوشة بالعطر، سقطت عليه كالإلهام من عبقر، مَحَى واستَمحَى ذكريات تمسيح قطار ‏العمر، والذي صفّر عقوداً من الجولان وحتى بعد.. بعد تدمر.!.‏

بعد أن "جِرْبِتْ" المرايا على قبر راعي الوالد الأغر، ظهر الجهاد الغالي الأصغر، ليؤكّد أخلاق العه(د)ر بعد أن ‏استغفر. ولم يعرف "جهاخيل" بأن الإنسان الحر، في بلد حر، يعمل ما تسمح به الحرية وليس في ذلك سِر. ‏

ويبقى يرفرف الشعار المختصر "من شبّ على شيء شابً عليه، ولو صبغ الشَعر"!. ونقطة أول السطر....‏

ملاحظة: "جهاخيل"من رموز الميتولوجيا السوريالية، ومعروف بجَيبه وقبعته، ويقابله في اليونانية آخيل وكعبه!.‏

 

بودابست، 14 / 1 / 2010.     ‏

فاضل الخطيب.‏

 

 

الكتابات المنشورة تعبر عن راي اصحابها