|

أقطعُه , حافياً / عارياً / مُنْبَتَّاً في الأزمنةِ / ومُنْبَتَّاً في
الأمكنة /
أُشَدِّدُ خيباتِه مقطعاً . . مقطعاً / وأُشَدِّدُ فواصلَه الموجعة
/
وما هو أكثرُ فجيعةً من الموتِ وعطاياه / أشددهُ قائلاً : أيها الأكثرُ
فجيعةً من الموتِ وعطاياه , تقدمْ في بياضِكْ / وتقدمْ في شراهتِكْ /
مرنحاً , ومتجهاً / على أرضٍ مرنحة
/
أقول : تقدمْ , لتأخذَ هذا الْمَيَدَ إلى شراستِه / والضيعةَ إلى
مدياتِها / والهاماتِ إلى الأسنة / ليبقى لنا الظلُّ / شاقاً ومهدداً /
يكنسُ لعبَنا وصباحاتِنا / ومثلُه النقاءُ رسولياً , نندبُ كارثيتَهُ
في الهجائن . . .
عنيفاً أضربُ الأرضَ / وأنا أقطعُ العاشرَ جريحاً . . جريحاً / أصيحُ :
أيتها المواكَبَاتُ , صَعِّدِي أجراسَك إلى رنينِها الفتيّ / صَعِّدِي
القرعَ إلى طبولِه الفتيّة / وأنتَ أيها الحجرُ صَعِّدْ البقاءَ
بزهراتٍ شاحبة / صَعِّدْ البقاءَ بطفولةِ العشبِ الذي ينمو باهتاً في
السكون / وعليَّ أنا أنْ أقطعَ هذي العرصةَ , جريحاً / وأنْ أُصَعِّدَ
القهرَ إلى حوافِّهِ / قابضاً على الفجيعةِ , أَصُبُّها رماداً في
آنيةِ المفجوعين / أمَّا العطشُ فهو قميصُ جرأتي الذي تكومَ في
رثاثتِهِ / وهوَ الآخرُ الذي لا يزالُ على النَّوْل / وهذا اللهاثُ
المتسارعُ , أكرِرِّهُ ضارعاً أمامَ لزوجةِ المراثي / مُحْتضناً برودةَ
الدَبَقِ الذي يتبقّى لي في حِنّائِي / بعد أن تُشالَ الرؤوسُ إلى
مجدِها في الأعالي / وينظرَ الربُّ العظيمُ إلى بهائِهِ ساطعاً أمامَ
الركب / والى بَتولاتِه السبيّات / وفِلِزِّ تَرَمُّلِهِنَّ المشِعِّ
في مثاراتِ الغبار / ودَوّاراتِ الرنينِ الملتفةِ على الموتِ وأثلامِهِ
/
وما هو أكثر فجيعةً من الموتِ وعطاياه / ثَمَّةَ هذا اللهبُ الراكضُ في
بريةِ ظَمَأي / وأنا أجَرْجِرُ البروقَ إلى سماواتِي أمنيةً . . أمنية
/ وأُرَتِّقُ رثاثةَ النهارِ بعينين غائمتين / مُقايِضَاً فحمةَ
النَّكالِ هذه بفضةِ الحقيقة / وَمُدَلِّياً الأسلابَ والرؤوسَ
المقطوعة / من سقفِ هذهِ الحكاية / وهي تُضِيءُ , بأقراطِ طفولةٍ
مرتعشةٍ تتدحرجُ على أرضيةِ دمائِها / وما عليَّ سوى أنْ أَرُجَّ سكونَ
النهايةِ / لأجمعَ أقراصَ المياهِ الناضجةِ قرصاً . . قرصاً / وأنْ
أصيحَ بالأسدياتِ : طِيْنَكُنَّ . . طِيْنَكُنَّ / إلى حفلاتِ ندبٍ
ممتدةٍ في الأبد / وإلى زقوراتٍ مسوّدةٍ بالقار / طِيْنَكُنَّ أيَّتُها
المَجْدَلِيات / يا بناتِ أَدَدَ وإبراهيمَ وأُوْر / النائحاتِ على
غيرِ قَتيلِهن / هذه الفجيعةُ إصبعٌ تتفقدُ مثيلاتِها / وهذا الألمُ
وعَاجُهُ ضَرْعَانِ مُكْتَنِزَان / فيما أنا / أحرّضُ الْمَيَدَ على
أشباهِهِ / وأشَدِّدُ اليَبَسَ في خلايا النَهارات / لأُعِيدَ
طِيْنَتِي إلى كَرْبَلَتِهَا / وَأَعْضَائِي إلى حاشيةِ الظهيرةِ في
بابل / عاقاً أُبُوَةَ مُكَرَّراتي من أجلِ هذهِ الفِيْوض /
وَمُنْهَمِكَاً بِرُسُوبِيَتِي أُقَشِّرُ خَرابَها / وَبَعَناقِيْدِي
أجمعُ إليها الألَقَ والسكون / وما هو لي بعدَ كلّ موتٍ وعطاياه /
ثَمَّةَ حشدُ غضاراتِ اليُتْمِ وَأَحْرَازِهِ / وثَمَّةَ بلاهاتُ
الفناءِ المكدّسةُ أمامَ رنيني
/
وثَمَّةَ أناقةُ الحنظل
! /
وما أُشَرِّدُهُ منَ المعنى في براءةِ القُرنفلات / عندما أدْعَكُ
اليقينَ بمجاوراتِهِ من الملحِ والسَاجْ / لأُرَتِّبَ البياضَ والبريقَ
معاً على أريكةِ ذُهولي
/
ها . . . ياقوتةُ جسدي مهشمةٌ على الجذع
/
وها . . . صمغُ أحشائي سائلاً
/
يا أسرابَ الحمام /
ويا أيتها الطيرُ هذهِ سنبلاتي
/
أفرّطُ أمامَهنَّ بما يتبقّى لديّ من الليونة / هذه سنبلاتي / كلما
أتكلمُ صادقاً ولجوجاً عن الحبِّ وإطراقاتِهِ المكرَّسة / هذه سنبلاتي
ووشاياتُها المهذبةُ أمامَ الريحِ وأقمارِها المدورةِ في النَسرين /
وغواياتِ الماء / عندما أتكلمُ طويلاً عن الحب / عندما أتكلمُ قائلاً
عشيةِ احتفاءِ البراغيثِ بقريناتِها
:
-
في الكوفةِ خاصمْتُ
!
وفي التَمّارِينَ أشرتُ إلى نخلتي
/
وقبل أنْ تنفضَ الحراثاتُ الجديدةُ نعاسَها / قبل أن يصعدَ العبيدُ إلى
الرشواتِ وأسيجَتِها نائمين / قبل أن يصيحَ الديكُ ثلاثاً في باديةِ
نينوى وعلى تخومِ أور / نزلتُ وحيداً . . . وحيداً . . . أيتها
المجدلياتُ عن النخلةِ إلى الأرض / نزلتُ وحيداً . . . وحيداً إلى
مَغَاوِرِي / أصيحُ
:
-
أيتها السِكَاك
في سوقِ الكوفةِ خاصمتُ
وفي التمّارينَ . .
.
آه . . . في التمّارينَ تعرفتُ إلى نخلتي
!
عالقاً مثلَ بقايا العَراجِينِ في سماواتي أُرَتّبُ أهِلَّتَها / هكذا
أبدا في التمّارينَ أخبرتُ صبيةَ الطرائقِ عن الحب / هكذا أيتها الطيرُ
تعرفتُ إلى الكَناسةِ وفاخِتاتِها الرمادية / وهكذا أيتها الطيرُ /
فركتُ حاشيةَ اليواقيتِ وبريقَها / نازلاً . . . صاعداً إلى خشباتِي
أمامَ المياهِ ودوّاماتِها / نازلاً . . . صاعداً بفحمةِ هذا الظمأِ
أمامَ فراتي ولؤلوئاتِه / ومن الحراثاتِ القديمةِ إلى جديداتِها / هكذا
. . . أيتها الطيرُ أرفعُ سنبلاتي / خادشاً حنظلةَ يقيني / من أجلِ
هذهِ الأصْمَاغِ السائلةِ في أحشائي / ملتصقاً بخلاياي / مثل سعفتينِ
لهما الغوايةُ المجرّبةُ بأعسالِ آبْ / وبِأَتْرِبَتِي هذه التي
أُرَقّدُ عليها عجينةَ ربّاتِ الألمِ وسيداتِه المُبَهْرَجات / قبل أن
يبدأَ احتفالُ العاقول / أَتْرِبَتِي هذه وطينةُ اليقينِ المكتظةِ
بالزخرفِ وأبَّهاتِه / عندما تلتمعُ في الحراثاتِ الجديدةِ جلودُ
العظاياتِ الراكضةِ في لهبِ الكَناسةِ وعَقِيقَاتِهِ / أتذكَّرُ ماراً
من الغبارِ إلى الغبار / شراساتِ العنبرِ وقُبَّراتِهِ / ماراً من
الغبارِ الى عنفوانِ أرديةِ الغبار / ما يتبقى لي من عناقيد الرمادِ
الباهتِ في طياتِهِ / ماراً من الغبارِ الذي أجمعه علي ّ / إلى الغبارِ
الذي هو لي / رماداً . . . رماداً لا تعرفُهُ شهوةُ المياهِ الطافحةِ
بأعسالِ آبْ / ساعةَ أعطّلُ هشاشةَ الدخانِ من المشهدِ الى المشهدِ
بفضّةِ بَخُورِي / حاضراً ومكدساً في الموجةِ وأعراسِها / عندما
أُفَتَّتُ مَذْرُواً مثلَ نداءاتِي
:
-
آه . . . في الكوفةِ رأيتُ الماء
وفي الكَناسةِ جَرَحَتْنِي رهافةُ الريح
/
وفي الذُّبالاتِ وفوانيسِها المرَتَّبةِ أمامَ شراراتي / في الأقمارِ
المعطَّلةِ بما أُشَتِّتُهُ من الضياءِ وأعذاقِهِ / في عباءةِ العتمةِ
المرقَّعَةِ بدهشةِ العَسَسِ وإيماءاتِهم / في كل ما يشهدُ هذه
الدقيقةَ / وما يشهدُ عظاياتِها الهاربةَ في اللهبِ . . . رأيت : / في
الكَناسةِ كلما التمعَ الصهيلُ أمامَ عتمةِ الغوايةِ , رأيت : / في
نينوى عندما جررتُ عرباتِ آشورَ الى حقولِهِ الذهبيةِ , رأيت : /وفي
أورْ الكلدانيينَ جمعتُ قطيعي
. . . /
أما في الغاضرياتِ فلم أركِّبْ اللهبَ على اللهب / من أجل هذه
الكَناسةِ التي تعرفني
/
-
آه . . . في الكوفةِ أطلقتُ خيولي
/
وفي الكناسةِ احترقتُ
. . .
احترقتُ /
رافعاً في شمالِ الفجيعةِ عصارةَ الراكضِ منْ أراجيحِ الخيبةِ الى
بياضِ الماء / ومعنياً أمامَ خيمةِ النهارِ بما أَصُفُّهُ من اليقظةِ
في حوافِّها / ومنَ الغضاراتِ الهاربةِ في الغضارات / عندما أهدمُ
اللهبَ بأجراسِهِ / وأخيطُ أذيالَ الهيبةِ بجلدةِ رنيني / وحيداً . . .
حثوتُ شراسةَ الْمَيَدِ على أُجَاجَاتِهِ / واتكأتُ على قربةِ حكاياي /
عاداً بين الثَنْيَةِ الى الثَنْيَةِ هذه الْمُرمّدَاتِ من أشباهِ
اللحظة / ومُفَرّقاً بينَ فَخَارٍ أُكَسّرُهُ في أرجائي / وفَخَارٍ
أُرَكِّبُ عليهِ تمائمَ الرقيمِ ومجاهراتِهِ في صباحاتِي / خارجاً من
فَقاعةِ الرغيفِ العاطلِ الى هُزالاتِي / ومُشَدِّدَاً الغيابَ الشائخَ
وعُبُوسَاتِهِ / بِما يَتَبَقّى لي من الطَيّةِ وهَلْهَلاتِها / آناً .
. . آناً / أكررُ الخضرةَ وظلَّها / في البريةِ وظلِّها / حينما ألفّقُ
صلابتي / وأرممُ فجاجةَ الألمِ في أحشائِي / ومن الفجيعةِ الى الفجيعةِ
/ أراني مأخوذاً بما يتقافزُ من الغزلانِ الفضيةِ في عتمةِ مساءاتي /
صائحاً بين التيهِ ومجليّاتِهِ / وبين رغوةِ الحنينِ وفقاعاتِ أرغفتِهِ
المعطَّلةِ :
-
هذه نجمتي التي أحب
/
وهذه كلماتي في السماواتِ التي أفتشها عن الحب / وربما أقدارِهِ /
سماواتٍ من الفضةِ ورنينِها / وسماواتٍ من البياضِ وشراهاتِهِ /
وسماواتٍ . . . ترتّبُ أرجاءَهَا المرنَّحةِ في صراخي الممتدِّ من
الأفقِ الى براءةِ الأخضر
/
-
هذه نجمتي أيتها العَرّافات
/
نجمتي التي أجمعُ بها القطيعَ الى حظائرِهِ . . . أيها العرّافون / لا
خرافةَ لي / ولا مواسمَ أقشّرُ بها برتقالةَ الضوء / ليس سوى هذه
البداهةِ التي أمشّطُ بها ضفيرةَ النواعيرِ كأساً . . . كأساً / ولي
بعد ذلك مصاهراتِي المؤجلةِ مع العاقول / ومطارداتي مع الموجةِ وألوانِ
الغِرْيَن في فراتٍ أصدّقُهُ / وفي ظلالٍ تتعرَّفُ إليّ / ساعةَ أسقطُ
يَدِي مقطوعةً في المكان / وأسقطُ يَدِي مقطوعةً في المكان الآخر /
لأحتضنَ هذي العرصةَ من النخلةِ الى النخلةِ دمَّلاً . . .دملاً /
وأضعَ راحتيَّ على خاصرةِ الفلزّ / عابراً دهشةَ الفراغِ بما أمرّره من
أنامِلي على فجاجةِ الدمِ وليونةِ المعدن / عندَ نهاياتٍ أرجُّها
/
أنا الراكضُ
الراجزُ
الراكزُ , رايتي من الغيابِ الى الغياب
/
وأنا المراقُ من قربةِ حكاياي
/
أَسِيْلُ شربةً . . . شربةً أمامَ ملائكةٍ يتراكضونَ الى فجيعتي
/
وملائكةٍ يحصونَ ما هو أكثر فجيعة من قمرٍ يتفقَّدُ أثلامَهُ / أو ربما
نهارٍ يعلّقُ أحشاءَه على شجرِ الفولاذ / كلما اتكأتْ الفضةُ على
البريق / وتلفّتَ الذهبُ الى عرقِ الأحصنة / آه
. . .
هذا النعاسُ الهاطلُ في غيرِ أوانِهِ
/
وهذا الثلجُ وأجنحتُهُ . . . وهذا البياض
/
آه . . .
هذا الغيابُ وأَفْنِيَتُهُ المؤطرةُ بالحدوات
/
آه . . . أخي /
ذلكَ هو الموتُ الباذخُ كما نعرفُهُ
/
معلقاً مثلَ ثمرةٍ ناضجةٍ على شجرِ الفولاذ
/
أما بقاياي . . . فللفراتِ وعطشِهِ
/
وأما سلامُ يديَّ المقطوعتين . . . فللأطفالِ الراكضينَ في حدائقِ
الفجيعةِ . . . يَلْهُوْنَ بأصابعي / بينما أمهاتُ أور / يؤجِّلنَ
الحليبَ الى نواحٍ آخر / وبناتُ بابلَ / يؤجِّلنَ الأمنيات . . .
أربعيناً أخرى / فيما هنَّ يركِّبن مصابيحَ رنينِهِنَّ في الفناءات
/
حزنِهِنَّ الذي يبقى
/
وفرحِهِنَّ القليل . . . القليل
/
آه . . . أورُ التي هي لي
/
وآه . . . بابلُ فراشةُ قلقي
/
ربَّةُ الْمَثّالينَ
/
وربَّةُ البَازِلْتْ
.
********
*محيي
الدين الجابري
بغداد – النجف 2005
|