|
|
|
رسائل إليهم.. *مريم الراوي |
|
-1-
لا أريد أن اكتب عن النكبة التي سلبت رمح
الفجر من كف المحارب الأسطوري.. أريد أن أحيا من جديد على ذكرى تلك
الليلة التي حملتني عاشقة صوب فلسطين.. لأهزم كل الأقاويل والأكاذيب،التي
تتحدث عن موت الوطن في الروح، سأغبط اليوم مدينتي مابين النبضة
والنبضة..مابين الشهيق والزفير،نسمة إسمها غزة.. يا ذكراي التي لا تهدأ...يا حنيني الذي
لا يخجل ان يسقيني من خمر الأشواق حتى أثمل ولا أثمل!! يا \"يافطة\"البداية وبوابة الميلاد
المبجل.. \"رفح\"..العروس النائمة على تخت من أشواك وأغصان ليمون بلوري.. يا أضواء محطة الوقود انتشليني من ظلامي.. يا\"بهلول\" المرحب بالآتي،
لا تغفو على أحلام المنتظرين ولا تقسو
على الفقراء الحالمين غزة.. أكانت تلك الليلة حلم؟أكانت أمنية أم
ماذا؟! قلبت\"جواز سفري\"فلم أر أي ختم يشير الى
وجودي في حضرتك. فأذكر حينها،إني دخلتك دون إذن من أهل
الدار،تعمدت من رحيق أنفاسك رغماً عن البنادق،وعن الجيوش المتمترسة خلف خوفها،ركعت عند محراب حزنك رغماً عن جميع الخونة،والظالمين والكروش المتخمة.. دلفت بستان قلبك الرحب دون خوف
و لا وجل،من جراحك العظيمة،لم تلفظي أحداً،كنت قديسة اللحظة بل قديسة جميع الأزمان .. يا غزة، و انت الآن الشاهد على النكبة لم
نعد نكتب الى القدس.. بدأنا نستبدلها با ألف مدينة ومدينة.. نسينا من ضحوا ومن انتظروا ومن حلموا ومن
غادروا الى السماء مسرعين.. نسينا كل هذا في خضم الصمت المفجوع
بالأنين.. نسيناك بكل بساطة أيتها الحزينة,, هكذا بدون ان نذرف دمعة عند أحد أبوابك
الشاهدة على يتم أبنائك.. لا تخجلي من تشرذمهم،
فقط إصفحي عن عذابات اولئك المتسمرين في
ساحات الفجر بانتظار الله!! فهؤلاء قد ملوا كل شئ، الا الحلم بالرجوع
اليكِ ولقائكِ..
-2-
عن ماذا سنتحدث اليوم؟؟
لا ادري!! حسناً,,دعونا في البدء نلقي التحية على
الله.. أيها الرب.. نسأل كثيراً عنك هنا في الأرض,وخاصة في بلادنا التي انهكتها الدماء وأسلحة الأقرباء قبل الغرباء نفتقدك كثيراً حين النهار,ونحن نرى
أشلاء أطفا لنا تواريها بقاية صحف الأمس نشتاقك حين ندلف الليل,وحين يهمس
أبني\"وطن\"لماذا ياامي ليس لنا وطن ننام فيه بهناء؟ أليس أحرى بنا ان نتوجه الى الجنة
الآن,لنسعد كما من سبقونا؟ وفعلاً ياإلهي,كثير هم من إلتحقوا
بقوافل العائدين الى السماء..وكل يوم يرتفع عدد المهاجرين والمهجرين الى منفى لارجعة منه مخلفين لنا الويلات والخوف والإنتظار.. وقيل لنا يوماً,إننا سنلحق بهم,ولكم
تمنينا هذا صدقني,ونحن نطالع الأشباح المتعطشة للموت,وهي تتلقف رؤوس نسائنا ورجالاتنا واطفالنا وشيوخنا ككرات البيسبول بين يديها..لم يتركوا ياالهي,شئ هنا,وكل جميل صنعته,دمروه بإقدامهم ورصاصاتهم الهوجاء لذا ارجوك,أن لاتنعم علينا بأكثر من
الهواء,وقليل من الماء,فلم يعد بوسعنا تحمل نعمك..فهي وبال علينا وبلاء لانرغب سوى ان ننام بأمان,ونشعر بأننا أصحاب الدار من جديد,لاغرباء لا نريد سوى أن نتجول في شوارعنا التي
لطالما رافقت احلى أيامنا وذكرياتنا أيها المبجل.. طالت صلاتنا إليك,وطال صبرك عليهم
فأعد عقول الأسوياء حيث موضعها,واجعلهم
يمسكون الزناد بيقين,صوب ذلك الأحمق أخبرهم مجدداً,إنك أنت وطن,وزهرة
جميلة,وحلم نقي,وفكرة طاهرة,وبسمة ترتسم على شفاه اليتامى والمساكين إلق عليهم وصاياك أيها الرب,لايضر إن
تعلمنا ابجديات الحياة من جديد,فقد فقدنا الكثير,واتعبتنا المواوويل,والصمت المصلوب في اروقة الأفواه والقلوب. ولم يزل لدينا بعض الوقت للموت
والتعلم..فلقد علمنا الوطن,أن نحتفظ بألحزن والوجع.
-3-
همس إبني وطن في إذني ظهيرة هذا اليوم.. أمي...لم نحن غرباء عن هنا؟؟وأين
أبي؟؟ولم البكاء عند اللقاء والفراق؟؟ فأجبته: إسا ل الله,فقد تعبت الإجابة
والإنتظار... وبعد خمس دقائق,أمطرت السماء بوجع مفرط.. بكى وطن عندها,واحتضن العلم..وقال: يا امي مالنا سوى سواعدنا,فحتى السماء لاتقوى ان تغيير مواعيد السفر!!
-4-
أيها الغرباء في بلادكم,,إحملوا رؤوسكم
وحدكم فلا ثائر غيركم على ظلم حكامكم وعلى الخوف أن يسقط من افئدتكم,ليحل
اليقين بالوطن والفكرة , راية نبضها الغد وساريتها الصمود على أوجاعكم أجرم من يؤمن أن تحرير الشعوب يأتي
بالصبر على بلائهم بل هو التمرد بداية الحرية والثورة على
الخائنين وطغيانهم.. -5-
أي نوع من التشرذم هذا الذي أصابنا؟!! غريب, جدا كيف أصبحنا نتخبط حتى في
ظلنا,ولا نكاد نعرف من يمسك بإيدينا ومن يلق بحجارته على رؤوسنا.. قد يخيل للبعض إن هذا نوع من التشاؤوم أو
البؤس ان لم يكن ضرباً من اليأس..لكنه ليس من كل هذا بشئ, بل إنه الواقع الذي نفقأ عيوننا كي لا نكون الشواهد على جراحنا وهي تصرخ ساعة الظهيرة حين يلامس جلدها الممزق لهب المتفجرات او يقضي على أخر لمحة جمال في هذه الأجساد شظية عابثة حمقاء عند المساء او حتى حين الفجر المتوشح بالدم المراق من عيون المدينة المصلوبة.. لكن انتظروا, من قال إن هذه الشظية غير
موجه؟؟ومن قال إنها لا تعرف أين وجهتها؟؟بل من المحتم إنها لا تخطأ أبداً وتعرف دربها الناري,هذا ان لم تكن تتلذذ برائحة اللحم المحترق والجلود المسلوخة. يا وطني.. كل هذه السنوات العجاف التي تقف كما
الغربان على جثث الفقراء اللاجئين بلا مأوى هي سنوات عمري أنا.. كل تلك الأشلاء المحترقة والمترامية على
أرصفة الطرقات وفي الشوارع والمتكدسة في المحال المهجورة أو القابعة في ثلاجات الموتى في (الطب العدلي)هي جزء من جسدي.. فأخبرني يا وطني, ما تبقى من هذا الجسد
البالي, سوى عظام نخره,تخاف أن تحتك إحداها بالأخرى فتصدر صوتاً وتعتذر,من الأوباش الواقفين على حافة الحياة,والمتصدرين ميدان الموت !! ما الذي يمكن أن يدثر هذه البقايا سوى
سمائك يا وطني!! أنت كل ما لدي, وكل ما ذهب وكل ما تبقى,أنت.. -6-
ما أقبح الشاشات وهي تلفظ لنا الأشلاء
والدماء بلا رحمة.. ما أروعنا ونحن نأكل غدائنا أمام جراح
الوطن،غير مبالين بعيونه وهي تناجي ضمائرنا!! ضمائرنا،هذا المسخ البشع النائم في
صدورنا،متى يتحرك؟!! متى يخرج صارخاً،هائماً،باحثاً عن
الوطن؟!! أي صخرة تلك التي تقبع في أجسادنا؟! أهذا هو ما يسمى القلب؟! أهذا هو الذي يجعلنا نعشق،ونصاب
بالغيرة،ونكتب الشعر ونذوب ونحزن ونبكي؟! ما باله إذاً والوطن يئن وحيداً غريب؟!! **********
مريم الراوي
18-5-2008
|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن راي اصحابها |