دائرة الدخان البغدادية

جميل محسن

  

مستغربة هي لحظات الهوس بالضحك المتدرج صعودا من ابتسامة إلى اهتزاز الجسد كله مع صراخ وصدى في غرفة خاوية خالية إلا مني أنا وحدي والصمت , وتستمر النوبة ثم تخفت  , وامسح دمع يسيل على الخد , وسعادة غامرة لذيذة تلفني ثم تزول ويعود الضجر , واسترجع الخبر الوميض الصاعق الذي حرك الشغاف وفجر ماء  بئر الصمت  , فإذا ما سمعته عادي و وربما مروره بالآخرين كالكرام فلا يثير عندهم سوى بعض الدهشة و وقد يحتاج القارئ العزيز   لإيضاح وبيان ما يجلب عاصفة المرح والاهتزاز لهذا المعتوه الذي هو أنا  , لأحيله إلى فضائيات هذه الأيام وما صرح وتكرم به السيد محافظ النجف للصحفيين (أراض في المقبرة ) كمنحة تعينهم على شرور الزمان وغدره ! , وما اثاره الموضوع بعدها من هرج ومرج , ولكن لماذا اذهب بعيدا ؟  وكأني اهرب من واقع معين , أو أحاول إقناع ذاتي قبل الآخرين باني أشاهد أحيانا السعادة , وحتى استمتع ببعض اللهو والمرح قبل النوم , متجاوزا وحدتي والغرفة والجدران الأربعة , ثم انهض صباحا محاولا إزاحة صخرة سيزيف  , بالتواصل مع الآخرين , باحثا عن فرصة عمل ترضيني ولا أجدها  , وادخل في دوامة مع ثلاثية غريبة تصلح شعارا , وحدة , مرح , بطالة , ثم شارع يأخذني بعيدا , في هودج فوق جمل في صحراء , كأمير متوحد ينظر من نافذة الكوستر فلا يرى إلا نفسه , ويحول كل واقع أمامه إلى حلم وردي , ويتساءل , ماذا لو ؟ ثم يجيب صوت الصدمة , انفجار , دوي هائل , وأقيس البعد والموقع وأتصور المكان والناس الموجودين لحظتها وهل اعرف احد منهم ؟ , واصل نهاية الخط جاء دور الساقان لتمشي ويصاحبني الحلم نفسه , أو تعود بي الذكرى لعشرات خلت من السنين , وحولي المكان وما الذي تغير فيه ! وأتنفس بعض الريح المتسارعة  مليئة بالتراب والغبار ولا أبالي , أتذكر الدخان الأسود المستمر أطنان متواصلة منه تحيط بنا و سحب أرضية قاتمة , والإشاعات تقول أنها سلاح المعركة ضد طائرات العدو , تحجب الرؤية , وترطب الجلد والهواء , وتبلل حتى الشفاه , كنت أمد يدي أحيانا لتخترق أسرارها , وتعود أصابعي شفافة , هي بداية آذار 2003  , حيث  لا أمطار شتوية حتى يومها بل غبار مستمر تتطاير معه أكياس النايلون ثم تهبط وتلتف حول عجلة  سيارة أو تستقر فوق غصن يابس لشجرة , تتشابه معها لعبة الإشاعات المتداولة بين حشد خارجي , واستحضارات رسمية ولا مبالاة شعبية , لاتمل قارئي العزيز , اعرف جيدا إن القصة المشوقة تستلزم الحبكة وبعض الغموض والسرد الحالم   , لايجيدها مثلي ممن امتلأت أجسادهم ولا زالت  بالدخان  ! هل يتوجب العودة للبلاهة والسذاجة ؟ ولكنها لاتكفي  و هاهو أراه يتصاعد من مكان الانفجار , فأين التشويق في  وصف خيط دخان ! وآذار آخر يحل وسنة 2008 , وأواصل المسير نحو الفراغ , وعندما يهدا خيالي  الجامح وتتلاشى الأحلام الوردية , تعود صورته , ملاك , يتراءى لي على صفحة الماء بعيد هو كما دجلة من فوق الجسر , ينادياني الاثنان , لأقفز نحوهما , وهنالك حينما تحتويني الهاوية سأحتضن الوجود , سأتلمسهما معا , وسام والماء ,  أكثر ما اعشق وأحب في هذا الكون , أمسكت بيدي حافة سياج الجسر العلوية واهويت بكفي فوق حديدها , لاتزال له الرنة القديمة  , كنا صغارا نقرع نفس الحديد و وننتصب فوقه ماسكين عمود النور , قبل أن نتركه نحو الماء , ونهبط يجذبنا الفراغ والثقل وعناد الأطفال , كنت يومها اصغر من ولدي وسام و وهو يسير اليوم بعيدا عني نحو الخامسة عشر, لايملك غير مرض السكر وعقل راجح , وأدوية وسرنجات بلاستيكية تجلده بسوط عذابها كل يوم , فارقت أمه الحياة وهي تنظر إلي وعادت في الحلم مرارا , وكأني احتاج لوسام بتوصية ! إلى أن تشاجرنا مرة , وقاطعتها ولم اعد أنام , لازمني الأرق حتى فقدت الشعور بلون عتمة الليل , الزمن كله نهار ابيض ساطع تجاوبت معه شعرات راسي  , وأعود إلى وسام كنا نضحك ونلعب سوية ثم نعود ونتوحد وننغلق ونصمت ونفترق , ونحلم ,  ونحن معا  , أعانق زوجتي , ويحتضن أمه  , وتنام هي وحيدة يلفها التراب  , إلى أن تأتي الحجية و تقرع الجرس , تزيح عنا الهم والظلمة مع دعوة للعشاء , أو المساعدة في إعداده , وتمسك بيد وسام حفيدها , تبعده عن الأوراق والقلم والسي دي والتلفاز ,   وتحاوره  , تدعي العجز ليساعدها في الحركة  , هانحن الثلاثي الذي واجه إحداث السقوط وما بعده , يشم الدخان ,  يستنشقه  , وكأنه بارقة الأمل ! , لم أكن اهتم كثيرا أنا المدخن السابق , كذلك والدتي التي مر بها الأسوأ والأغرب , ولكن سعال وسام وكابته هي المشكلة , هو فقط من كان يجعلني أبالي , وأعود للانتماء , وأحارب الواقع وليس فقط  طواحين الهواء , هو مشكلتي الحقيقية ونحن على أعتاب الضربة القادمة  , يحب ما أحبه  , نتسابق معا للفوز بالقبلة الأولى , لم يكن ينفر من والدتي وهي تحاول احتضانه أو تعويضه , ولكنها طفولته , تتداعى وترتمي نسماتها أمامي وأمامه ,  وتأتي لنشمها معا , زوجتي أنا , أمه هو , وبداية العناق , لايرضى مفارقتها ولا يحبذ الاستقلال , يحاول ما استطاع أن ينام وسطنا على التمدد في  سريره الخاص ذو الرسوم والألعاب .

 

أنا- حبيبي سأذهب بك إلى سريرك .

 

وسام – لا هو بارد وصغير .

 

أنا – سيكبر معك .

 

وسام – هنا أفضل , ماما أريد أخ صغير .        

 

تصيبني عندها هستيريا صاخبة من الضحك , ربما هي أو تداعياتها , من أوصلني إلى البلاهة الحالية و كيف سأشرح لصغيري طريقة إنتاج الأخ ؟ وخطوتها الأولى أن يعود لسريره ! , أصبح يحب رائحتنا أنا وأمه , أرى وأحس بأنفه الصغير  يلتصق بجلدينا  , غريزتي تتصاعد  , وعضلاته تتوتر , وهدفنا واحد (هي) , يبتعد عني , يسبقني أليها , تمتد يداه لتستقر فوق رقبة أمه و ويزحف  , ويلتصق بها , يتوحد جسدان وكأنهما لم ينفصلا أبدا , وعلى ضوء النور الضعيف تتجه نحوي عينا (سعاد) وتبتسم شفتاها وكأنها تقول  .

 

سعاد - لو كنت هرا لاكلته أليس كذلك ؟ هيا تحول إلى مفترس ولا تدع هذا الصغير ينتصر .

 

ما أتذكره الآن هي يداه , راحة كفه , أصابعه , أنامله , تكبر وأنا أتحسسها  , أتلمس جلده الرقيق الذي سوف تخترقه الآلاف من ابر الأنسولين , بعد الموت المفاجئ لوالدته , تغير , كلماته القليلة تلاشت , استبدل بالفوضى عاداته المنظمة , لهفة الذهاب للمدرسة , الملابس النظيفة و الحقيبة الجلدية  , المشط , المرآة التي كانت هي من تنظر إليه وترسمه لوحة للهندام والترتيب والثقة بان الإنسان سيد الكون حتى وهو طفل يذهب لتعلم الحرف والرقم والكلمة  . يقبل أمه ثم يخرج , ويربكني اليوم حاله . 

 

أنا – كلمني ياولدي !, تحدث , لا أنافسك في حبها ولا أتغلب عليك , ابكي كما بكيت وحدي أو مع آخرين  , اصطنع البلاهة أمامك وتبقى صامتا  , لم أر قطرة دمع حارة تنزل من عينيك توازي قطرة حليب دافئة طالما تساقطت على خدك وامتصيتها من ثدي أمك , اصرخ في أي مكان حتى في حضن أمي , استفرغ ذكريات لاتتكرر  , واعترف لك بان رائحة أمي غير رائحة أمك . 

 

تراجعت صحة وسام , الحزن على فقدان الزوجة افقدني الصواب وجعلني اعتقد بغباء , إن الطفل ربما يتحمل أكثر مني  .

 

الطبيب – هو مصاب بالسكر , يستلزم علاجه بالأنسولين , لماذا التأخير , الأعراض واضحة ؟

 

أنا – حسبته يتألم بصمت .

 

الزوجة ذهبت , والطفل يصارع أعراض السكر  , والوالدة تحاول , والبلد تملاه رائحة الحروب والكراهية , ومعارك السيوف الخشبية , والسير نحو المجهول , وتمر سنين , وسام يكبر , وأنا اعمل , والوالدة تزداد أمراضها   , واضحك ثانية ويعلو الصوت  , وسام يطالب ب (كومبيوتر ) , يريده قبلي ! تجاوز الاتاري والبلاي ستيشن , والألعاب , وكأنه في عقلي هذا المستنسخ مني  , سنحتضن الحاسوب معا  , من يدري , ربما سيطالب بما هو أعظم ,  مسموح للآخرين ممنوع علينا , إلا فيما ندر , اعني به الانترنيت , هذا العملاق المجهول , قرات عنه ولم أراه أو أجربه  , من سيشاهده أولا ؟ أحاول شرح إمكاناته للأصدقاء , والدولة تستعد وتؤلف الجيوش وتسحب المواليد , وينفذ من يدفع , ونعمل بجد لنعيش , ثم يعود ويخنقنا الدخان ! تلك الحلقة الرئيسية التي أحاول تجاوزها , تناسيها ولكنها , تسطع , آذار 2003 , الشروق كالغروب , قتامه وسواد وصمت , وبغداد مستنقع حفر تملأ  بالنفط الأسود مع خزانات أضافية , وحراسات تتواصل وتحمي الحريق , تغذيه ليزداد ويعمي العيون , عيوننا نحن , ويدخل الاحتلال .

 

دبابات تسير , تسحب ورائها جحافل من زومبي المفترس , خرج ليأكل بعد أن تأكد من سقوط الصنم  , وتنتشر العدوى تتحول الآلاف إلى ملايين , كل يخرج باحثا عن حصته وما فاته  , وأنا على حالي لازال يملا عقلي الدخان , يطفأ نوره وتوهجه , ويصبح داخله داكنا تستقر في تلا فيفه ذرات الكربون , ثم يفاجئني أخ زوجتي واقفا أمامي , اسمرا بائسا يفتقد حتى روح المراهقة التي يغادرها عمرا , محتفظا بمزاجيته السوداء .

 

أنا – ماذا لديكم في الدار يامحمد ؟ 

 

محمد- غادرنا الوالد نحو زوجته الثانية  , ولا معين .

 

أنا- سنذهب معا إلى الشعب  .

 

محمد- لايوجد سوق ولا مخضر ولا خبز .

 

أنا- سنحاول شراء مانستطيعه    

 

أخرجت ورقة أل(10) آلاف دينار المخبأة هي لرويدة ’ حمدا لله لم تسقط العملة بعد , النهار صاف مع سحب دخان متفرقة وحرائق ولكن القتامة خفت بل تلاشت لم يعد احد يحرق نفطا اسود ليظلل الطائرات , ذهبوا هربوا تلاشوا تركوا النفط والبنزين المخبأ في أحواض تحت الأرض , لكل قادر على الصراع والمنافسة والتدافع , طريق مدينة الشعب واضح الملامح هذه المرة , سنترجل في السوق , هاهو فرن يبيع الصمون وتلك طماطة حمراء , وباذنجان اسود , احمل يامحمد . 

 

وصلنا البيت , شقة في الطابق الثاني , يتعالى خارجها صراخ رويده شقيقة زوجتي , وهي تجمع وتغسل ملابس جمعهم المؤمن بعد توفر الماء .

 

رويدة – كيف حال وسام ؟ 

 

أنا – يفتقدك أكثر من أبيه  والجمع بينكما صعب , هذه ورقة العشرة آلاف , تستطيعين تصريفها بتسعة , سأرسل لك المزيد , كيف حالكم ؟ 

 

رويدة – نيسان لايحتاج لتدفئة أو تبريد , نسينا الكهرباء  , سأحاول شراء بطاريات للمسجل . 

 

عند العودة كان أحساس بالراحة يلفني , هي كأختها , ولكن أباها يطلب لبن العصفور فهي بضاعته الوحيدة , تمنيت المشي كعادتي ولكن محمد أشار إلى الكوستر , بعد أن اخذ الألف , وعلى يمين الطريق كان الجامع يمتلئ  بالأدوات الكهربائية التي تبرا البعض من سرقتها ليودعوها المسجد , ولا تزال بعض السيارات تنقل أشلاء من جسد العاصمة نحو الأطراف , وكان مخاض 9/4 لايريد أن ينتهي , يعصبون رؤوسهم بخرق بيضاء , كما أعلامهم وراياتهم بيض فوق هياكل السيارات , يعطون إشارة الاستسلام للأمريكي ليمروا نحو ماتبقى من مخازن الخراب والدمار , لكن عتمة الدخان الكثيف زالت وعدت استنشق الهواء براحة لايهم مايحتويه من غبار , هاهي باب المعظم يتوجب علي الإسراع نحو البيت سامر أولا على ساحة الميدان , ربما حصلت على قطعة ثلج أخرى , تحكي أسطورة حب الحياة لمن نحب  , قطعة ثلج هي ما أجبرني على الخروج مع أكرم في 10 /4 , وكنا من القلائل الذين لم يغادروا بغداد رغم القصف وانتهاء الخدمات ثم تحطم زجاج المنزل وإلصاق النايلون كبديل , من أخرجني هو وسام , ذاب الثلج في البراد , تحول إلى ماء  , نبهتني والدتي فارتعبت ليس خوفا على قطعة لحم اوماء للشرب ولكنه (الأنسولين ) دواء وسام المحفوظ في التبريد خوف فساده يحتاجه يوميا وفي أي وقت يجب أن أوفر  ثلجا وفلينة لتجاوز العصر الحجري , وعند الباب شاهدت أكرم جاري يبتسم , أرسل عائلته إلى ديالى وعادوا بالأمس , كان متفائلا  , يبحث عن خبز وخضراوات , كما يتطلع لمشاهدة مايجري في العراق الجديد ! سرنا معا إلى بغداد وأسواقها كل يبحث عن همه هو الأكل وأنا الثلج  , وانطلقت إقدامنا تركل الأحجار وتدوس الشوارع وتنتقل نحو الطريق السريع  , لاامني النفس طبعا بركوب مايسير على عجلات حتى لو كانت تجره الأحصنة فهم في شغل شاغل عنا , كانت العجلات تتجه غربا فارغة يقودها مراهقون وشبان وتعود محملة شرقا  , لن يكون بيتنا حتما من بين أهدافهم بل الطرائد السمينة وفصل جديد يكتب يتنافس فيه إبطال الحرائق والحوا سم  .

 

شاب- أين الطريق إلى الباب الشرقي ؟  

 

كان بين مجموعة من العشرينيون رثوا الهيئة , لاتبدوا عليهم رغبة المزاح بل اللهفة . 

 

أكرم – استلم الطريق السريع وستصل بعد حين . 

 

آخر- هل لديكم نار ؟ علبة كبريت ؟

 

اخرج أكرم قداحته  , أشعلوا عدة سكائر وانطلقوا مسرعين .          

 

أنا – هل تصدق أن هنالك عراقي قريب من بغداد لايعرف الباب الشرقي ؟

 

أكرم- سنرى العجب بعد حين على الأكثر هم فارين من الخدمة العسكرية , انظر هذه دائرتي و يبدو أنها سلمت , ولكن ! سامر عليها غدا 

 

تطلعت ثانية إلى سحب وخيوط الدخان أحاول عدها ومعرفة ضحاياها  .

 

أنا – الكل يجري ليسرق , الفقر والجهل والحاجة , هم سادة الشارع ,

 

أكرم – ربما سحابة صيف وتهدا النفوس  ,أو توزيع جديد للثروة  .

 

أنا – لست بتفاؤلك  هم يركضون وراء الفتات الباقي

 

أكرم – لقد انكشف الغطاء , ربما بقليل من الصبر ننال الحرية ونعوض مافات , ونستعيد ليالي ابي نؤاس .

 

أنا- اسرع أولا , لاتنس أن الثلج أهم عندي اليوم من الحرية , مسالة تتعلق بدواء وسام .  

 

أكرم – حسنا ابني أيضا أوصاني على كرة قدم أو بوت أو حتى كومبيوتر إن وجد رخيصا  . 

 

أنا- تقصد !؟ 

 

أكرم- لا دعنا نفتش فقط عن الثلج وكرة القدم  

 

تمر الأيام بعدها   متدهورة نحو المجهول  , ازداد التخريب والحرائق , ولم تتوقف الحواسم  , ماتبقى لهم هو خشب البناء والأبواب والطابوق وحديد التسليح , وانتظار أن ينتقل الأمريكان من بناية محمية ليبدأ نهبها  , كبرت وتنامت العصابات وارتحل الأمن  والاستقرار , أصبح دفاعنا الوحيد هو عن الذات ,  ودخلت عالم البطالة الواسع , قد يكون لما حدث آثار ايجابية للكثيرين , الموظف أو المتقاعد ,ارتفع الراتب ,  كما  زاد ماء دجلة , ولكن ميزان الربح والخسارة هو شخصي غالبا , ولم أتذمر كان عندي وسام مع كومبيوتر وانترنيت , وبعض العمل المتقطع  , حاولت بناء عائلة من جديد , أنا ووسام ورويده أخت زوجتي  , ماتبقى هو إقناع والدها بمال لا املكه , ولكنها مراهنة على الزمن قد تنجح , عدت قبل فترة من زيارة لهم , أحسست أن وسام يوافقني الرأي , ذهب نحو سريره مرتاحا , وتمددت احلم ربما بشيء من السعادة تزيل عن كاهلي كابوس الدخان  .

 

سعاد- هل تحلم بي أراك مبتسما ؟ 

 

أنا – أنت حياتي , ولكن ألا نستحق أنا ووسام امرأة أخرى ؟

 

سعاد – تحدث عن نفسك  , ليس لديك قدرة الصبر  , تستبدل أختا بأخت .  

 

أنا- هو الواقع ياسعاد , البشر تحكمه الغريزة وحب الأسرة  , لو مت قبلك ماكنت لاعترض .

 

سعاد – على ماذا ! هاأنت تفرط بي مرتين  .

 

ذهبت غاضبة كما أتت  , هي حياتي معها ,  صمت وحنان وحرارة لايبردها الموت ولا الفناء , ولكن القدر يكمل المأساة  , وكأنه يتجاوب مع اللامعقول  وتتصل بي رويده 

 

رويدة – سأتزوج قريبا , جاء من يرضي أبي  , لديه دفاتر . 

 

الدفاتر ! لغة كل العصور واختلاف الأنظمة  , وإنا العاطل الذي تصعب عليه الورقة , وينتظر فرج غائب مختطف , وأعود إلى وسام , وكان مراهقته تؤشر معالمها , وأخاف هذه المرة من والدتي , وهي ترى عجزي عن المعيشة , ولكنها تصرفت , لأرى بعد حين أخي المهاجر البعيد يتوسط الدار , لم يكن حتما يود الاستقرار هنا كما تمنى سابقا 

 

الأخ – سآخذ الوالدة معي  , لن تستطيع البقاء أكثر .

 

أنا – هو بيتها وهي حرة .

 

الأخ –ووسام .  

 

أنا – مابه وسام ؟ 

 

الأخ- أكملت ترتيبات دخوله حيث أقيم , سيعيش مع أطفالي , لأتقل انك تستطيع توفير حياة أفضل له هنا  , أخبرتك منذ فترة طويلة لم يعد العراق لنا , من حسن حظ الوالدة ووسام , إني هاجرت منذ زمن بعيد , عندما تعجز عن الحلم بعراق أفضل , حاول أنت الآخر , رغم الصعوبة والحواجز .

 

ذهبوا  , وبقيت  , الزوجة قتلتها أمراض الحصار  , والابن لغد أفضل في بلاد غريبة سيعتادها  , وأنا لازلت امشي وارى الدخان واسمع أصوات الرصاص والمتفجرات  ولا احلم  , ولا أتمنى , بل استمع  أحيانا  لضحك بصوت عال  , ربما على نفسي ذاتها  , أو للدخول في متاهة العدمية  النافية لكل , عقل  , ضاع مني وأنا أحاول اغناءه بالتجارب  .       

 

 

 

جميل محسن 

 

 

 

الشخصيات 

 

أنا – راوي القصة 

 

سعاد – الزوجة المتوفاة

 

وسام- الابن 

 

أكرم – الصديق 

 

رويدة-أخت الزوجة 

 

محمد- أخ الزوجة  

 

الحجية- أم راوي القصة 

 

الأخ المهاجر 

 

شباب يتراكض بعد 9/4 

 

--------------------------   

 

 

 

الكتابات المنشورة تعبر عن راي اصحابها