|
|
|
مرثية لأخي.. *حيدر الحمداني |
|
"إلي أخي محمد الذي فارق الحياة بطلقة غادرة في بغداد"
قتلوه.. قتلوه... هكذا جاء صوت أختي المبحوح .. عبر قارات العالم الباردة، عبر بحار بعيدة.. عبر جفاف العمر في المدي البعيد.. عبر هذي السنين.. عبر العيون الدامعة .. خضراء،.. صفراء.. سوداء... جاءني صوتها يشهق من بغداد.... جاءني صوتها مرتجفا عبر هواء ثقيل اخبرني صوتها المخنوق في ليل ثقيل مات أخي في حضرة العراق في تربة العراق في حضرة الفرات.. والنخيل والأمطار مات أخي بطلقة حررت العراق! حررت الجياع.. حررت الموتي, حررت النساء والأطفال والغرقي، لكنني في انتصاف الذهول .. وقفت.. صرخت.. حزنت.. بكيت في النهاية عرفت أن أخي الصغير قد قتل....... بطلقة حررت العراق! هل يا تري بعد كل هذا الموت سنختلف....؟ هل يا تري بعد كل هذه السنين سنختلف..؟ سكنت روحه أمنية، أن يرانا نعود للبيت القديم نعود من صقيع المنافي نتأبط كتابا ابيض نعود لنخلة فارعة في حقلنا المغدور لدربنا المقتول بالحروب والضحايا والجفاف يا محمد.. كيف لروحك أن تعود لدجلة العراق لصفصافة جنوبية تسلقتها يوما ما، وأنت صبي شقي في مدرسة الحياة، تضحك.... تمرح.... تقفز من مبني إلي مبني، تسبح في أوقات الظهر بماء الفرات تصطاد الشهوات كالأسماك علي شاطئ الحويزة.. تحني روحك بطين الفرات وتفرش في بينتا ابتسامة عريضة كوجه أمنا الأليف جاء صوتك اخيتي ليعلن الموت الجماعي، ليعلن الاخوة المشردة... بين سوق الشيوخ, بغداد، ستوكهولم, كاليفورنيا, واشنطن.... آه يا محمد.. آه... اخيتي.. وزعتنا الخديعة في المنافي، مثلما توزعت شواطئ الفرات، ضاق بنا البيت القديم. ûûûû روح أخي محمد تطير بين الناس. (أتعلم أم أنت لا تعلم بأن جراح الضحايا فم).. فم ينطق بالفاجعة فم يصرخ في دجلة منذ مئات السنين علقوه بالحراب علي أسوار بغداد فم ينطق بآخر الحكاية فم أسكتته طلقة عبرت قارات العالم لتسكن الأعماق.. فم ينطق بالعظام فم ينسي الحروف.. وفم أخر يتهجي.. ûûûû وجهك يا محمد في الفضاء يطير, بعد كل هذه السنين حملتك مثلما احمل قصائدي تطاردني اللعنات والشرطة السرية من شارع إلي مقهي.. ومن بيت إلي بيت اهرب كأرنب بري من عيونهم سكنت في الصحراء تلفحني الشمس والرياح و الأمطار.. يسخر مني الليل وأنت... وأنت هناك... تعصرك الجدران كيف لي يا محمد أن أعود بكل هذا الزمن لماذا تركتني في العراء.. أصيح...أصيح....أصيح في الفراغ.. يا محمد.... يا محمد .... المطر يهبط علي وجهي الضائع في الزحام أعدو خلف الماضي وتدفعني يداك في سوق الشيوخ كان وجهك ينطلق كالشمس. تعشق كل طيور الحي وتجمعها في الأبراج الذهبية كنت أراك ترقص ما بين فناء البيت وسطوح الجيران تمسك بخيط ابيض يعلو من سطح الدار هناك بعيدا علي أجنحة طائرة ورقية صنعتها الحرب لطفولتنا الحمراء آه يا محمد.. ضاعت أوراقي, أوراقك في عتمة هذا الكون وبقيت أحدق في النهرين المشتعلين براحة يدي أوصلني النهر الأول منها ليسار الريح, والنهر الأيمن فيها يصعد فوق جراحات الزمن الدامي وتركت قلبي بينهما يشتعل من ثقل القبلات ضيعتك ما بين الورد وبين الآس طير يعبر مياه الاهوار وطين الزقورة زورق ابدي في النهرين يصل الضفة بالضفة مدمي القلب أعود... مثقوب الرأس... ثلم الذاكرة لكني كيف أعود؟ سأعود... سأعود.. هل سيعرفني الأهل, والجيران.. أطفال الحي قد كبروا في عتمات الحرب, وشاخت في ياقاتهم مياه الأرض وعصاري بساتين.. الحب الأولي، آه يا محمد.. في يوم عسلي داكن دخلتْ عليَّ وفي يديك سعف نخيل اخضر تفرشه في ساحات السوق الشعبية لتروي عطش زوار العتبات المتعبين وتمسك بيدي المائلتين مثل قصب الاهوار ما بين فرات الأسواق ونهر الغراف آه يا محمد تعبت...تعبت من التحديق بصورتك اليتيمة علي الجدار رحلت مبكرا... لماذا تركتني في منتصف الطريق حاملا رأسي من قارة إلي قارة احلم بطيور الحب في عينيك المنطفئتين غدرت بنا الدنيا يا محمد من يمسح غبار المنافي عن حقائبي؟ تركتك في الحارة طفل يلعب برصاص الحروب وهنا أنت كبرت.... وأشعلت العشرة شموع في الدار لمجيئي لكنك انطفأت قبل الاوان.. قبل الاوان تركتني في عراء المنافي أصيح ....أصيح...أصيح.. يا محمد.... يا محمد... أصيح....أصيح.... أصيح.. قتلوه.. قتلوه.. لكنك انطفأت قبل الأوان.
|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن راي اصحابها |