العابِر الحَيْران

*فؤاد اليزيد السني

 

 

-اللّوحة الأولى-

 

 

 

عِنْدَ حُدود الشواطئ المُسْتَحيلة،

 

بَعْدَما أَرخى اللّيلُ المَغْرِبيّ سُدولَهْ،

 

و نام ذِئابُ فَيافيّ المَدينة،

 

في مَخامِر الشِّيَخِ و الرّوجْ.

 

بَعْدَما نامَ السُّكون و لَمَّ جُفُونَهن

 

تَحْتَ جُنْحِ ضِياءِ النّوارِس،

 

و السّماءُ كَما الرّملُ المَخزَنيّ،

 

كَما سُبُلُ الهِجرَة "الحَرَكِيّة"،

 

إلى البُلْدانِ المَنيعَة.

 

زَحَفَ على بَطنِه الشّبحُ الغَريب،

 

بَيْنَه و الرّعدُ المُدَوّي في الزّوايا،

 

قاربُ بَرق راسٍ على المَرسى القَريب،

 

و حَفْنَة رَمل و ضَجيجُ مَوج و أَحلامُ صَبايا.

 

 

 

- اللوحة الثانية -

 

عِنْدَ حُدود النّافِذة القَريبة،

 

و البَحر يُلَمْلِم أَوتادَ خِيامِه،

 

جَلَسَت عِند النّافذة الزّرقاء،

 

تَغْزِلُ نَشيدا لِعبور اليَتامى،

 

امْرَأَة غَيور في سِنّ العَجائز.

 

جَلَست تُغَنّي بِحَناجِر سود،

 

لِمَواسم هِجرة البِحار الخَواطِف.

 

و لِلشَّبَحِ الزّاحِف في قَلبِ الظُّنون،

 

خِفْيَة على بَطنِه في سَوادِ العُيون.

 

أُغْنِيّة مَرّت هكذا مِن جَنوب،

 

كَمَرّ النّسيم في خَفايا الغُيوم،.

 

و مَرّت عُقْباها الرّؤى،

 

و الأَحْلامُ و السّبايا،

 

تَحت النّافذة الزّرقاء،

 

جَلست عَجوز شَمطاء،

 

تَحوك للشّبح الزّاحِف في العَتْمة،

 

اُغنِية لِعبور بَحر البَلايا.

 

 

 

- اللّوحة الثالثة -

 

عِندَ حُدود بَحر العُبور،

 

مُكَوّما في عَتمة البال،

 

كَمَنديل مَنْسيّ بَين الصُّخور،

 

اِقْتَعَدَ حَظّه الشّيخ "رَباحْ"،

 

يَصْطادُ لُقمتَه في عِناد الرّياح.

 

و في مُنْتَهى عَينيه قَد نامَت،

 

عُيون وعَرائس،

 

و نُجوم و ثُريّا،

 

و شَبَح خائف يَزحف خَلف التُّخوم.

 

على بَطْنِها مَرّت وَسْوَسةُ الرّيح،

 

و قَصَبَة صَيد "مُحَشّفَة" في رِمال العِبارة،

 

و خَمّاراتُ شَواطِئ المَساءْ،

 

مِن شِدّة الطّرَبِ الجاهلّي،

 

تُعَربِدُ راقِصة في جُنون،

 

و الشيّخُ العَربيّ الحَرون،

 

يَتَوَهّم في الشّبح الزّاحف عَبر التُّخوم،

 

حِكايَة مَنسيّة طَيّ الجُفون.

 

حِكايَة طِفل كان مُنذ آلاف السّنون،

 

يَحْلُمُ بِقارب مُجَنّح و أُمّ حَنون.

 

 

 

- اللوحة الرابعة -

 

 

عِنْدَ حُدود سارية المَنارة،

 

و عُبابُ اللّجِّ يُخالِط ضَوء الإشارَة،

 

رُبِطَ المَركَبُ الحَيران بِأغصان الثّرى،

 

و مَرارة التّيهِ قَد تَرَبّعت في الحَدقَتَيْن،

 

تُراقِب الشّبح الزّاحف في اللّيل الحَزين.

 

و خَلف حُدود العِدْوَتَيَن،

 

ما بين فُجْوَة المَضْيقين،

 

و سَلسبيل العُبور.

 

جَلَس الرّمل،

 

و ظلِّه الشاطئ،

 

فالمَركَبُ الحَيران،

 

و عامود  نور الإِمارَة،

 

و شَبَح يَزحف على بَطنِه تارة،

 

في عِباءَة اللّيل المُوَرّد الوَجْنَتين.

 

 

 

- اللوحة الخامسة -

 

 

 

و عِنْدَ مَداه القَريب المُستَحيل،

 

جَلَسَت مَخلوقَة شَمْطاء على لَوحِ الرّوح،

 

مُحَدّثة نَفسَها و الصّياد العَجوز،

 

و شُموس ضِفافِ العِدْوَتَيْن،

 

في بَلَد المَغْرِبين شُروقا طَلعت،

 

غُروبا أَفِلَت حُزنا على حِكْمَة المَكان.

 

سَكرانة في خابية الماء السّروح،

 

راحت على رِسْلها سَكرانة الجُروح،

 

تَغدو على رِسلها و تَروح.

 

 

 

 

 

- اللوحة السادسة -

 

 

 

تَحْت عامود بِلّور المَنارة،

 

و حارِس الضّوء في نُعاس غَبون،

 

مَرّ مِن بين الرّمل و السِّتارة،

 

زَحَفا على بَطنه الشّبح الغَريب،

 

و امْتَطى في غَفلة الكَون السّكون،

 

مَركبا مَخبوءا بَين صُخور "المون"،

 

و بِجَزيرة رأْسِه راحت تُزقزق العَصافير،

 

و جَوامع صَدى المُمكن و مُحالات المَقادير،

 

بِجُزُر رَأسه راحت المُستحيلات تَجري،

 

وعُقباها راحت  تَعوي النّوارس،

 

و مُدنا من خالص العاج و فِتنة الماس المَنون،

 

وغُيوما مَوسميّة شَهوة و فِتنة و فُتون،

 

تُناديه عِشقا إلى البَلد الحَنون.

 

 

 

- اللوحة السابعة -

 

و كَقادِم من مُستَحيلات الرّحيل،

 

راح يَشُقّ الماء في جُنون،

 

و نَوافِذ عُيون العَجوز،

 

قَد أَسدَلت على دَمعتَيْها السّتارة.

 

و قَد دَخل الشّاطئ إلى مِعطَف باله،

 

ونامَت خَلفَهُ المَنارة فَحارسَة العُيون،

 

لا ..  لَن يَكون .. و لن يكون ..

 

و ظِلّه شبَح عابر،

 

و المَركب الحَيران،

 

يُصارعان جبِالا مِن مِياه المَخاطر،

 

و جَهَنّما من ذَهَب الغِواية،

 

حينَ أَبرقَت مِن ثَنايا الماء العُباب،

 

فَجأة، طَلقة نار قادمة من المُدن المُحال،

 

فَهوى إلى القاع المَركَب الحَيران،

 

و قد طَفَتْ بِعِزّتها عل سَطح السّين،

 

جُثّة شَبح كان يَحلم بِحورية الوِصال،

 

كان يَحْلُم، ذات يَوم، باِلوطَن البُدال.

 

 

********

بقلم فؤاد اليزيد السني. 05-12-08

 

 

 

 

 

*- هذه القصيدة كتبت قبل عشر سنوات مرثاةً لؤلئك الذين أصبحت مقبرة البحر وطنا بديلا لهم.

 

 

 

 

الكتابات المنشورة تعبر عن راي اصحابها