|
نظر مليا من حوله فوجد نفسه غريبا بين مئات الرؤوس البشرية يتصرف
بالمثل على غير
عادة الناس ... ماسحي أحذية يطلون وجوه زبنائهم بمسحوق أسود . نادل
يسكب الطلبات
على رؤوس زبائن المقهى . أطفال مستلقون
على حافة الطروطوار . توقف قليلا
.
مرت بخاطره أفكار شتى كانت تنثال عليه كندف الثلج باردة قاسية . حاول
أن يفهم ما
يجري . أهو في كابوس يستولي عليه في عز النهار ؟ زادت أشعة الشمس
المحرقة في حيرته
ولم ينبس ببنت شفة . رغم وجود الحافز الذي يحمل كل ذي عقل على استفسار
ما يقع لغيره
إذا كان يظن أنه يتصرف تصرفات الحمقى
...
على بعد أمتار منه ، شاهد حشدا من
الناس متجمهرين على شكل حلقة ، كأنه يعيد أيام جامع الفنا مرة ثانية ،
يوم زارها في
ريعان شبابه . اقترب فليلا ، قليلا حتى وصل إلى ذاك الحشد . انسل بين
المتجمهرين
حتى أخذ له مكانا يسمح له بمشاهدة ما يجري داخل الحلقة . كل الناس
صامتون على غير
ما كان يرى في الحلقات التي كانت تقام في الأسواق الأسبوعية في بلدته .
الصمت
والسكون كانا سيدا الموقف هناك . لم يكن هناك أي ممثل أو
"حلايقي" يفرج على الحاضرين . كان وسط الحلقة خاليا والكل صامت . زاد
هذا
المشهد من حيرته . أحس بحزن شديد يستولي عليه ، ثم ببردات خوف تغمر
قلبه وبدأ يهتز
في مكانه . لم يسبق له أن عاش هكذا تجربة لذا استولى الخوف عليه سريعا
لما تيقن أنه
وحيد بين مئات الحمقى المجانين ، وهو الذي اعتاد هذا النوع من البشر
قليلا جدا ،
وغالبا ما يزج بهم داخل مستشفيات خاصة بهم . فإذا به ينقلب السحر على
الساحر . هذا
ما رآه بعينيه وأحسه بقلبه
.
كانت عيون أولئك المتجمهرين مسمرة على الفراغ
والوهم . هدفها وسط الحلقة الفارغ . غادر بوشعيب الحلقة بحذر شديد
وكأنه يفر من
الوغى . مانحا رجليه كل الحرية في مزاولة الهروب البطيء دون أن يأخذ
أحد باله منه
.
على بعد أمتار منه تجمع للطاكسيات - سيارات الأجرة الصغيرة - فكر مليا
إلى أين يذهب
له في الوصول إلى حل مقنع . مشى قليلا بطيئا . انزوى إلى ركن أحد
البنايات العمومية
.
رجال الأمن في هذه اليام لا يمرون بالشارع بعدما تبين لهم أن كل الناس
قد جنوا
وأن لا خوف منهم لإثارة الفوضى أو الشغب . قرر أن يقصد مقرهم ليستفسر
عن هذا التغير
المفاجيء الذي طرأ على الناس جميعا . اقترب من باب المقر . قصد رجل أمن
يحمل بين
يديه سلاحا كالذي يباع عند بائعي اللعب أيام عاشوراء . لم يهتم للأمر
كثيرا . كان
هندام الشرطي وسحنته وملامحه تدل على أنه إنسان غير طبيعي . اقترب منه
أكثر وبادره
بالسؤال
:
_
أيمكنني ، يا سيدي ، أن أقابل السيد العميد ؟
.
لم يجبه
الشرطي . ولم يعمل جهدا حتى ليرى في وجهه . أحس بوشعيب كأن العالم كله
قد جن ، وقد
أصابته جمرة خبيثة من الجنون والحمق . صمت . تراجع قليلا . هبط أدراج
المبنى
.
التفت يمنة ويسرة . ولما لم يحس بأي عين تراقبه ، أشار بيده لسيارة
أجرة كانت تمر
بالشارع . دون أن يحدد المكان الذي سيقصده ، قال في نفسه وهو يركب
السيارة
:
والله ، إنه الجنون.
لم يطلب من سائق الطاكسي أي شيء
، وهو أيضا لم يسأله عن وجهته . خاف بوشعيب أن يكون ممسوسا بالجنون .
صمت . ترك
السيارة تتجه به أينما أرادت ، وأينما فرض الجنون على السائق الذهاب .
وبعد قليل ،
وبعد أن قطعت السيارة بعض الكيلومترات والتهمت بعض الشوارع ، توقفت
فجأة أمام بناية
ضخمة جديدة ، لم يسبق له أن رآها من قبل . قال في نفسه
:
هل بنيت من
جديد ؟
هل أصلحت فقط ، وجهزتها الدولة لتخصصها لإدارة
عمومية ما ؟.
لم
يكذب في الخبر . نزل من السيارة . توجه إلى بابها . لم
يصدق نفسه . فوجيء بالعبارة المكتوبة على البوابة والتي تقول
:
هذا
مستشفى الأصحاء.
الآن
فقط اكتملت كل الحلقة التي ابتدأت بالجنون وانتهت
بالعقل . أحس بوشعيب بدوار ثم بغفيان . ثم أغمي عليه
...
نهض بوشعيب جالسا
.
قام بنظرة محيطة على مكونات المكان الذي يتواجد به . ثم صرخ قائلا
:
أين
أنا ؟ ماذا وقع لي ؟
.
انتبه على صوت شخص يفتح باب الغرفة ، كان
طبيب المستشفى ، توجه إليه ، بدأ يربت على كتفيه ويهديء من روعه
:
-
لا
تخف ، أنت داخل مستشفى الأصحاء
....
عزيز العرباوي
كاتب من المغرب
Azizelarbaoui017@gmail.com
|