|
|
|
أسقربوط البحر المظلم * محمود يعقوب- قصة قصيرة |
|
بلا حزنٍ مات( سيد عباس النجار) . بلا ناعيةٍ تنعيه .. بلا باكيةٍ تبكيه ، ولا حتى من رطــّب َ شفتيهِ بماء الوداع الأخير ليرحل ظمآن صادياً !.. على عجلٍ واستحياء مات( سيد عباس) . كان المساء ذاوياً وعارياً بجلده المغبر ، ورائحة التراب تثير اليأس والقنوط ، كانت الوجوه أكثر عتمة من المساء . وحين حملوه لم يكن سوى خشب التابوت الصنوبري العتيق - بصفرته الواهية - يقطـّر ألماً وحزناً . لا روحه المتمرمرة ، ولا عظامه المفتتةُ ، أنّما عيناه .. عيناه العجيبتان فقط هما اللتان ترويان قصته . عيناه الصغيرتان المسترخيتان ، مثل عينيّ مهرج سيرك تبحران وترسيان .. سعيدتان وحزينتان . عينان لألعاب السيرك . وحالما شَعَرَ بأنه لا يجيد هذه الألعاب ، استسلم بفتورٍ وأغمضهما .حين حملوه فتّشتُ جيوب سترته الداكنة ، فلم أجد سوى عملة ورقية قديمة لم تعد تصلح للتداول ، تلتفُّ فيها صورةٌ صغيرة للمطرب (محمد عبد الوهاب) ، ربما كان ذلك كلَّ ما يملكه . رأيت فيما يرى النائم ، أنني كنت في بستان الفضائل . كانت المعرفة تجلس على سريرها تحت القطوف الدانية، تمسك بعنقود عنب ، تلتقط حباته حبةً حبة ، وهي تحصي حسناتها .. حسناتها التي لا تـُعدُّ ، رافعةً صوتها بغرور كيما تسمعها الحكمة التي جلست خلفها بوقار كعادتها . وقد ابتدأت قولها : - أنا السراج المشع المنير .. وأنا الدرب الممهد للمسير .. وأنا وأنا ...... وحين تعَبَتْ من العدِّ أضافت قائلةً : - وفوق كل ذلك أنا شلال السعادة لمن يستحم عندي .. إذاك رمقتها الحكمة بطرف عينها ، وردَّت بهدوء قائلة: - إن ذلك لا يعني الكثير من دوني، مثلما لا يعني الورد بدون عطره ونضارته . إحتدم النقاش بينهما وكثر اللغط ، حتى تخاصمتا . فنهضت المعرفة ومضت إلى العواطف تزجي الأوقات معها . ولأن المعرفة والحكمة أختان ، لذلك مهما تخاصمتا فأنهما لا تفترقان طويلاً .. استذكرت هذه الرؤيا لأن المسالك التربوية عندنا تجافي الحكمة أحيانا ، هذا ما قرأته في زاوية من عينيّ (سيد عباس) ، ولهذا أيضاً لم يختلج أيّما شيء في جسد الحياة برحيله ، بل أنّ الحياة نفسها لم تلتفت إليه ، بل أنّ الحياة كانت تتجاهله، بل أنّ الحياة كانت ترفضه ؟.. بعد عمر العشرين أبحر برفقة صديقه وقائده (فوزي أبو الكعك) ..( فوزي) الذي كان دنا ً فوّارا ً للألحان الشجية الساحرة ، عازف ناي مغمور جدا في الدنيا ، تذوب وتتمزق الجوارح وَجْداً وشوقاً لأنغامه . أبحرا معاً .. بلا زادٍ ولا مئونة ٍ .. كانا ثملين .. ثملين بلا حدود . كانا بلا زمان ولا مكان . وفي غرفتهما على ظهر السفينة كان (فوزي) يعزف ألحان (عبد الوهاب) ، فيهتز الخمر سكراً ونشوةً في كأسيهما المشعشعين .. كانا بحارين فاشلين، أو هكذا وُصفا . كلاهما لا يُعدُّ ولا يفتَقَدُ .. وُصفا بهذا الوصف لأنهما خمّاران ، ولأنهما لا يحملان معهما كيس خضارٍ أو لحم عند أوبتهما من العمل إلى البيت . لم يمنحهم أحد فرصة لإلتقاط الأنفاس . بعد العشرين جرى بهم العمر سريعاً .. " آه. ما أن يبلغ الأنسان عامه العشرين حتى تبدأ سنوات عمره في المضي بصورة سريعة ومتلاحقة، أليس كذلك؟"* كانا متشابهين بصورة مدهشة ، اعتمدا على نفسيهما فقط . (فوزي) صانع كعك ماهر، وهبته مهارة صنعته كنية ( أبو الكعك) كما يفترض ، و(سيد عباس) نجار يعمل على الدوام . لم يكونا سيئين ، إنما اختار كلاهما طريقه في الحياة . خَلبَ لُبّهما الحسن والجمال ، وفتنهما رحيق االكأس، وأسرتهما عذوبة الألحان، كانت وعورة الأيام وقساوتها تدفع بهما إلى ذلك الطريق بسرعة. كانت نبراتهما ساخرةً ، ممازحين يطربان للنكتة كثيراً ، تألـّقا في خلق الحكايات والقصص الكاذبة من اجل الضحك والمرح . كانا يعملان في الظل .. في دكاكين منزويةٍ .. وفــّرا لنفسيهما ذلك القدر من الظلام . ولم يكونا لينتظرا الشئ الكثير من الحياة .. فقط على ظهر السفينة وفي هدير الموج المجنون كانا هائمين في هواء البحر ، يمدّان أبصارهما بحثاً عن عرائسه . كان الآخرون ينفرون عنهما .. الآخرون القساة ، الجفاة ، الذين يشبهون النبت الصحراوي بأشواكهم وبخلهم . ان الأمر مخيبا للآمال حقا ! . انهما يدركان بلا شك معنى صدود الناس عنهما .. يدركان أن لا شئ فيهما يختلف عمّا لدى الآخرين . فلكل منهما رأس وأطراف وصدر يسكن في ركنه الأيسر قلب مترع بالحب . وحقيقة أن تلك المزاعم الجوفاء التي كان يطلقها عليهم الكثيرون جزافا حين يصفون الواحد منهما بأنه رجل بلا قلب ولا كلى ، لم تكن تعني شيئاً ، ولم تثن ِ عزمهما في يوم من الأيام من المضي في الحياة على هذا النحو .. على هذا النحو المتوهج بالفتنة والجمال . عاشا بلا رياءٍ وتدليسٍ ، إنهما بلا ريب ضربا عرض الحائط فرصا ً سانحة .. فرصا ً بلا حدود ، لكنها كما قدّرا فرصا ً ساذجةً ، وان كل مافعله الآخرون - عداهم - أنهم تزوجوا وأنجبوا.. يوما ً بعد يوم ٍ ، راح الآخرون يهجرونهما .. وعلى متن السفينة كان الصدود يلطمهم كالموج ، والبحر يرغي غيضاً . وفي يوم عصيب ناداهما القبطان بصرامةٍ ، وأمر بأخلاء السفينة منهما !.. أُنزلا الى البحر في زورق صغير ، وأُ طلقا في عرض البحر .. أطلقا وحيدين لرحمة الأمواج والأنواء . بعد سنين من التيه والخيبة ، شُوهد زورقهما، الخائر المترنح ، يقترب من الساحل . وكان (سيد عباس) يجلس فيه وحيداً وقد فتـّت الأسقربوط عظامه بعد أن أتى على حياة صديقه (فوزي) !.. كان واقفا مستندا الى حافة الزورق ، واهنا وشاحبا، يقف بعينيه المحايدتين وانفه العثماني المهيب، وكوفيته التي يطويها فوق رأسه بطريقته المميزة . حين اقترب كثيرا ً من الشاطئ ، شَهَرَت المعرفة عَلَماَ احمر صغيراً ، وأومأت نحوه بغطرسة وإصرار ، صارخةً بصوت عازم : - تراجع .. تراجع أيها السيد .. هذه السواحل ليست مكانا ً للفاشلين .. عُد أنت وأسقربوطك إلى البحر. وفي لمح البصر اشرأبت أعناق المدافع الساحلية ، مهددة ومنذرةً . فيما كانت الحكمة تقف بعيدا يلجم فمها الذهول. أدار (سيد عباس) زورقه وعاد إلى البحر . كان الموج معربدا ً والريح عاتية . راح الزورق المعطوب يمتلئ بالماء سريعاً . وأمام هذه الشواطئ، وعلى مرأى من المعرفة نفسها ، كان الزورق يغرق على مهل ، و(سيد عباس) يقف مستنداً إلى حافته .. يقف هادئاً تماما ، غير مكترث للحوادث وريب المنون . عندما وصل ماء البحر إلى مستوى وجهه ، برقت عيناه بريقا ً عجيبا ً ، وسكبتا على صفحة الماء قصته .. سكبتا قصته كاملةً ، فأضطرم البحر ، وأشتعل لهيب الموج الأزرق متصاعدا ًعاليا ، وراحت ذؤاباته تتشضى رذاذا ً اثر رذاذ من الدمع ينسكب بحرقة ، فيرتعش جسد الماء مقشعراً!.. وبعد برهة ، كان الزورق يستقر في قاع البحر المظلم ، ولم يَعد يرى المرء شيئاً ، سوى أسراب فقاعات هواء .. فقاعات لؤلؤية ، انبثقت من صدر (سيد عباس) صاعدة إلى سطح الماء . وكانت الأسماك تدور حولها صاعدة معها ، فقاعات تحمل صوتا ربانيا ً عميقا ً ووقورا ، يمكن لكل من أصاخ السمع إليه أن يلمس فيه لحنا ً من الحان ( عبد الوهاب) . وساعتها.. ساعتها المعتمة تلك ، وعلى طول الساحل تمددت المعرفة مضطجعة بلا همٍ ..
بلا وخز ضمير · الروائية الفرنسية ناتالى ساروت · الشطرة ــــــــــــ 2008
|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن راي اصحابها |