
في الذكرى السابعة لإ استشهاد اخي الصغير محمد الذي
فارق الحياة بطلقة غادرة من إحدى دبابات المارينز في بغداد
اقول:
قتلوه..
قتلوه...
هكذا جاء صوت أختي المبحوح
عبر قارات العالم الباردة،
عبر بحار بعيدة
عبر جفاف العمر في المدى البعيد
عبر هذي السنين،
عبر العيون الدامعة
خضراء،
صفراء.
سوداء...
جاءني صوتها يشهق من بغداد....
جاءني صوتها مرتجفا عبر هواء ثقيل
اخبرني صوتها المخنوق في ليل ثقيل
مات أخي في حضرة العراق
في تربة العراق
في حضرة الفرات..
والنخيل والأمطار
مات أخي بطلقة حررت العراق!
حررت الجياع،
حررت الموتى,
حررت النساء والأطفال والغرقى،
لكنني في انتصاف الذهول .. وقفت..
صرخت،
حزنت،
بكيت،
في النهاية عرفت
أن أخي الصغير قد قتل.......
بطلقة حررت العراق!
هل يا ترى بعد كل هذا الموت سنختلف....؟
هل يا ترى بعد كل هذه السنين سنختلف..؟
سكنت روحه أمنية,
أن يرانا نعود للبيت القديم
نعود من صقيع المنافي نتأبط كتابا ابيضا
نعود لنخلة فارعة في حقلنا المغدور
لدربنا المقتول بالحروب والضحايا والجفاف
يا محمد...
كيف لروحك أن تعود لدجلة العراق
لصفاصفة جنوبية تسلقتها يوما ما،
وأنت صبي شقي في مدرسة الحياة,
تضحك.... تمرح.... تقفز من مبنى إلى مبني،
تسبح في أوقات الظهر بماء الفرات
تصطاد الشهوات كالأسماك على شاطئ الحويزة*..
تحني روحك بطين الفرات
وتفرش في بينتا ابتسامة
عريضة كوجه أمنا الأليف
جاء صوتك اخيتي ليعلن الموت الجماعي،
ليعلن الاخوة المشردة...
بين سوق الشيوخ, بغداد، ستوكهولم, كاليفورنيا, واشنطن....
آه يا محمد
آه...
اخيتي..
وزعتنا الخديعة في المنافي,
مثلما توزعت شواطئ الفرات،
ضاق بنا البيت القديم.
*****************
روح أخي محمد تطير بين الناس.
(أتعلم أم أنت لا تعلم بأن جراح الضحايا فم)**
فم ينطق بالفاجعة
فم يصرخ في دجلة منذ مئات السنين
علقوه بالحراب على أسوار بغداد
فم ينطق بآخر الحكاية
فم أسكتته طلقة عبرت قارات العالم
لتسكن الأعماق
فم ينطق بالعظام
فم ينسى الحروف,
وفم أخر يتهجى..
*****************
وجهك يا محمد في الفضاء يطير,
بعد كل هذه السنين
حملتك مثلما احمل قصائدي
تطاردني اللعنات والشرطة السرية
من شارع إلى مقهى
ومن بيت إلى بيت
اهرب كأرنب بري من عيونهم
سكنت في الصحراء تلفحني الشمس
والرياح و الأمطار
يسخر مني الليل
وأنت...
وأنت هناك... تعصرك الجدران
كيف لي يا محمد أن أعود بكل هذا الزمن
لماذا تركتني في العراء..... أصيح...أصيح....أصيح في
الفراغ..
يا محمد.... يا محمد ....
المطر يهبط على وجهي الضائع في الزحام
أعدو خلف الماضي وتدفعني يداك
في سوق الشيوخ* كان وجهك ينطلق كالشمس.
تعشق كل طيور الحي وتجمعها في الأبراج الذهبية
كنت أراك ترقص ما بين فناء البيت وسطوح الجيران
تمسك بخيط ابيض يعلو من سطح الدار
هناك بعيدا على أجنحة طائرة ورقية
صنعتها الحرب لطفولتنا الحمراء
آه يا محمد..
ضاعت أوراقي, أوراقك في عتمة هذا الكون
وبقيت أحدق في النهرين المشتعلين براحة يدي
أوصلني النهر الأول منها ليسار الريح,
والنهر الأيمن فيها يصعد فوق جراحات الزمن الدامي
وتركت قلبي بينهما يشتعل من ثقل القبلات
ضيعتك ما بين الورد وبين الآس
طير يعبر مياه الاهوار وطين الزقورة
زورق ابدي في النهرين يصل الضفة بالضفة
مدمى القلب أعود...
مثقوب الرأس... ثلم الذاكرة
لكني كيف أعود؟
سأعود... سأعود..
هل سيعرفني الأهل,
والجيران..
أطفال الحي قد كبروا في عتمات الحرب,
وشاخت في ياقاتهم مياه الأرض وعصاري بساتين
الحب الأولى,
آه يا محمد
في يوم عسلي داكن,
دخلتْ عليَّ وفي يديك سعف نخيل اخضر تفرشه
في ساحات السوق الشعبية
لتروي عطش زوار العتبات المتعبين
وتمسك بيدي المائلتين مثل قصب الاهوار
ما بين فرات الأسواق ونهر الغراف
آه يا محمد تعبت...تعبت
من التحديق بصورتك اليتيمة على الجدار
رحلت مبكرا...
لماذا تركتني في منتصف الطريق
حاملا رأسي من قارة إلى قارة
احلم بطيور الحب في عينيك المنطفئتين
غدرت بنا الدنيا يا محمد
والأبواب ابتعدت.....
وبعد... كيف أعود..؟
لمن القي التحية؟
من أعانق بعدك ؟
من يمسح غبار المنافي عن حقائبي؟
تركتك في الحارة طفل يلعب برصاص الحروب
وها أنت كبرت....
وأشعلت العشرة شموع في الدار لمجيئي
لكنك انطفأت قبل الأوان..
قبل الأوان...
تركتني في عراء المنافي أصيح ....أصيح...أصيح..
يا محمد.... يا محمد...
أصيح....أصيح.... أصيح..
قتلوه
قتلوه..
قتلو..
قتل..
قت..
ق.
لكنك انطفأت قبل الأوان.
25-5-2003 واشنطن
* الحويزة: المحلة القريبة من شاطئ الفرات و التي ولدنا
فيها, تقع في قضاء سوق الشيوخ جنوب العراق التابع لمحافظة
الناصرية.
** البيت الأول من قصيدة الشاعر المرحوم محمد مهدي
الجواهري (( أخي جعفر)).